البلديات
آخر أخبار البلديات
المدونة
من نحن
أن تنجز ورقة إدراية من إحدى مؤسسات الدولة البيروقراطية، فتلك مشقة يجمع عليها اللبنانيين. فكيف إذا أردت أن تطلب من البلديات أن تزودك بمشاريعها وتكلفة تلك المشاريع، بالإضافة إلى أسماء أعضائها وإنتمائهم السياسي وسيرهم الذاتية، وصولا إلى القرارات التي يتخذها المجلس البلدي في كل جلسة.
 
 قد ينظر البعض إلى تلك الطلبات على أنها "عادية"، وهناك العديد من البلديات التي تنشرها أصلًا على مواقعها الإلكترونية أو صفحاتها على مواقع التواصل الإجتماعي. جيد، ولكن ماذا عن طلب "ميزانية البلدية" في دولة لم يقر مجلسها النيابي ميزانيتها طوال 10 أعوامٍ: لقد وصلنا إلى الخطوط الحمراء بالنسبة للبعض.
 
يُجيب رئيس المجلس البلدي لإحدى البلديات على إتصالي بكل رحابة صدر، خصوصًا أنني موفد من قبل مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط الذي سبق أن أجرى مقابلة معه حول علاقة البلدية بالسلطة المركزية. ويُبدي الرئيس تعاونا كاملا مع الطلبات التي ذكرتها بشكل متدرج لكي لا تشكل صدمة له. نحدد الموعد ونلتقي لنبدأ بالحديث عن المشاريع التي قام بها المجلس البلدي منذ تسلمه مهامه في أيار 2016، وتواريخ بداية تلك المشاريع وإنتهائها مرروا باسم المتعهد أو الشركة المتعهدة لأعمال المشاريع وصولًا إلى تكلفتها التي ولسوء الحظ ينسى أو يتناسى معظم أرقامها.
 
بعد الحصول على المعلومات المذكورة وأسماء أعضاء اللجان البلدية، نذّكره بضرورة حصولنا على قرارات المجلس البلدي والموازنة السنوية لنشرها على موقعنا الإلكتروني. يبدي الرئيس إعتذاره الشديد لأنها تحتاج إلى "بعض الوقت لتحضيرها" واعدًا بتزويدنا بها بأقرب وقت ممكن. لا يمر وقت طويل لمراجعة "الريّس" الذي يجدد نيته منحنا الميزانية والقرارات إلا أن شيئًا ما طرأ على الموضوع يمنعه من ذلك، ما هو؟ إنها الدائرة القانونية في البلدية التي تؤكد له بحسب قوله أن "هناك تعميما صادرا عن وزير الداخلية يمنعه من نشر تلك المعلومات".
 
يبدو أن الدائرة القانونية لم تسمع يومًا بالمادة 45 و55 من المرسوم الاشتراعي رقم 118 سنة 1977 وتعديلاته الخاصة بقانون البلدية، والمادة الاولى و16 من قانون الحق في الوصول الى المعلومات التي تُشدد على حق الحصول على أي مستند رسمي. لذا نبتسم ونتظاهر بتفهم إلتزام رئيس البلدية بـ" ضرورة التقييد بالأصول القانونية والحرص على الشفافية في الوقت عينه".
 
لم تكن تلك القصة سوى واحدة من إحدى عشر قصة خضتها خلال محاولتي الحصول على أكبر قدر من المعلومات. إلا أن الصورة ليست سوداوية بهذا الشكل في جميع هذه القصص، فلا أخفي إندهاشي ومفاجئتي من العديد من المجالس البلدية التي لم تتردد بتزويدنا بكافة متطلباتنا.
 
ففي قضاء جبيل حيثُ المنافسة الإنتخابية محتدمة، يؤكد لنا رئيس إحدى البلديات الصغيرة حرصه على عرض كافة "المواد التي نطلبها" على الموقع الرسمي للبلدية بشكل دوري "إيمانًا منه بضرورة  التمسك بمبدأ الشفافية في العمل البلدي". أمام هكذا نموذج من مسؤولي السلطات المحلية ينتابك شعور بالفخر والإحباط. الفخر بأشخاص وصلوا إلى رأس السلطة في بلدتهم ومازلوا يؤمنون ويمارسون أحد أهم مبادىء الدولة الحديثة وهي الشفافية وحق المعرفة، أمّا الإحباط فهو من النظرة التي تسيطر على أذهاننا فور سماعنا بكلمة "مسؤول" وكأن تلك الكلمة كافية لإتهام شخص ما بالفساد والرشوة والمحسوبية... لا شك أن ذلك النموذج من رؤساء البلديات يرغمك على تغيير "حكمك المسبق" الذي تشعر به إزاء أي مسؤول.
 
بعد الجولات التي قمت بها خلال إعدادي لتلك المعلومات، حيث زرت مختلف أنواع البلديات الصغيرة والكبيرة، وفي مختلف المناطق اللبنانية من الجنوب إلى البقاع والعرقوب فإقليم الخروب والجبل، وتعاملت مع مختلف الإنتماءات السياسية لتلك البلديات، وصلت إلى إستنتاج أعتبره ثمرة جهدي في هذا السياق ومفاده أن "لا قاعدة واحدة لمعرفة مدى إلتزام البلديات بمبدأ الشفافية"، فلا حجم البلدة ولا موقعها الجغرافي ولا إنتماءها السياسي كفيل بتحديد مؤشرات تجعلك تعطي حُكمًا عليها قبل التعامل المباشر معها.